الفصل 1

دماء

1,345 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

ظلام دامس .

هذا كان كل ما يراه زين حوله .

لا ضوء ، لا صوت ، لا شيء .

سوى سواد غير متناهي .

أين أنا ؟ ..

كان هذا السؤال البديهي الذي طرحه زين .

آخر ما أتذكره كان هزيمتي لماكس ، و عودتنا إلى المنزل .

إذا ما الذي جاء بي إلى هنا ؟

تمتم بصوت خفيض .

" أما من أحد هنا ؟ إن كان كذلك فليجبني ."

رغم علو صوته إلا أنه لم يرد أحد .

وكل ما سمعه كان صدى صوته .

وسط حيرته وبدون سابق إنذار إنبثق شيء ما من العدم .

عينان قرمزيتان .

تراجع للخلف من صدمة مفاجأته .

لوهلة بدت له تلك الأعين غير بشرية .

كان كلما تحرك تتبعته الأعين .

مشتتا بما كان أمامه وغير منتبهٍ .

أُخترق جسده .

" نغاااااه ؟! "

" م..ماذا ؟ "

هبطت أعينه نحو بطنه .

نصل قرمزي .

هذا ما كان مخترقا لجسده .

وفجأه .

انتزع النصل .

ورغم شدة الألم الناتج عن اختراقه ، إلا أن خروجه لم يكن بذلك القدر .

خر على ركبتيه .

تحسس بطنه .

لا جرح ، لا دماء او ألم .

حتى أن ملابسه عادت طبيعية .

" ما الذي يجري ؟! "

كيف لهذا أن يكون واقعياً ، ما هذا المكان ، وما الذي جاء بي إلى هنا من الأساس .

ذلك النصل و تلك الأعين .

" الأعين ! "

رفع رأسه نحو مكانها .

وفي لحظه كاد أن يهاجمه شيء هائل .

مخالب !

لكن لم تصل إليه .

توقفت في لحظه وكأن جدار خفي منعها من الوصول إليه .

انتفض زين من فراشه بقوة .

شهق بقوة .

بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف ، و غطى العرق جسده .

تحسس بطنه مجددا .

لكن لا شيء .

رغم ذلك ..

ما زال يشعر بذلك النصل مغروسا في بطنه .

حلم ... لا بل كابوس .

لقد كان مختلفا هذه المرة .

هذه المخالب ...

إقتطع صوت طرقات الباب صفو أفكاره .

ثم تبعها صوت رقيق يناديه .

" زين هل أنت مستيقظ ."

" أجل يا روز ، استيقظت لتوي ."

" إذا تعال عند المكتب ، فأبي يريدنا مجتمعين ."

" حسنا لن أتأخر ."

أزال الغطاء ، ثم إعتدل في جلسته و قام من على فراشه .

ذهب بإتجاه النافذه ثم أزال الستار من عليها .

فإنساب ضوء الشمس للغرفة .

صغيره .

منظمه .

كما يفضلها زين .

أخرج من دولابه بعض الملابس .

وبعد أن تجهز ، وقف ينظر للمرآة للحظات .

وجهه حاد ، شعره أسود فاحم .

تنساب من بين خصلاته السوداء بضعة خصلات فضية اللون .

وعيناه الباردتان بلونهما الفضي .

أغمض عينه لوهلة .

لا بأس ، كان مجرد كابوس .

عندما فتح عينه مجددا كانت قد أصبحت قرمزيه .

كتلك الأعين .

تسارعت نبضات قلبه .

لكن فور أن رمش .

كانت قد عادت لطبيعتها .

استجمع شتات نفسه محاولا تجاهل ما حدث .

بعدها خرج من غرفته .

تحرك بين الممرات الخشبيه .

فالمكان الذي يعيش فيه يقع على أطراف إحدى قرى المملكه .

كوخ يكفي لأربعة أشخاص .

كان منزله وسيظل كذلك .

تحسس الحائط بينما يسير .

ذكرياته ، رفيقاه ، كل شيء في حياته .

في ذلك الكوخ الصغير .

بينما كان يسير وصل أخيراً إلى مكتب معلمه .

قبل أن يفتح الباب أوقفه سماع صوت مألوف .

" اوه لقد إستيقظت ، صباح الخير يا زين ."

لم يكن سوى ماكس ببسمته المعتاده .

" صباح الخير ."

بنبرته الباردة المعتاده .

" هيا بنا إذا ، فالمعلم ينتظر بالداخل ."

طرق زين على الباب ثم سمع صوت وهو يأذن لهما بالدخول .

" فلتدخلا ."

فتح الباب ثم دخل كلاهما .

كانت روز موجودة ، وكان معلمهم يقف أمام نافذة المكتب .

" لقد إستيقظتما إخيراً ! "

" أجل ، ماذا في ذلك ! "

عقدت روز ذراعيها و نظرت لماكس بعيناها الحمراوتين .

" لا تستفزني . حاولت إيقاظك كثيرا وانت تأبى ، رغم قولي أن أبي يريدنا أن نجتمع ."

أشاح بنظره عنها .

" هدئي من روعك ، فأنت لا تستطيعين إيقاظ أحد بشكل صحيح ."

" ألا يمكنكم أن تكفوا عن هذه المشاجرات في كل صباح ."

أشاح كل من ماكس وروز وجهيهما وقالا في نفس اللحظه .

" هو / هي من عليه / عليها أن تتوقف / يتوقف ."

صمت الثلاثه لوهلة وهم يناظرون بعضهم .

ثم ضحكوا من هذا الموقف .

مما جعل زين ينسى ما حدث معه منذ قليل ، كأنه لم يكن .

وسط ذلك إستدار من نادته روز بأبي .

والذي كان يدعى بفيكير .

" مازلتم مشرقين ككل صباح ، كم أتمنى أن تبقوا هكذا طوال حياتكم ، لكنها ستكون أنانية مني ."

تحرك حتى جلس على كرسيه ، ثم أكمل .

" إعتنيت بكم منذ أن كنتم أطفالاً ، وها أنا أراكم تكبرون ."

شعر زين بشيء غريب في داخله ، لكن تجاهل قائلا في قرارة نفسه .

سيكون كل شيء على ما يرام ، سيتقبلان الأمر .

وسط إضطراب زين بادر ماكس .

" ما بك يا معلم ، ما تقوله يشعرني بأننا سنتركك وحيداً ، إذا كان هذا تفكيرك فإرمه بعيدًا لأننا لن نبتعد عنك .. "

" أجل يا معلم ، لن نتركك أبدًا ."

إرتسمت إبتسامة صغيرة على وجه فيكير .

" أعلم ذلك ، لكن هناك أوقات يجب أن لا تضيع فيها أي فرصة ."

شبك يديه ثم أكمل .

" فرصة قد لا تعوض ."

ضغط ماكس بشده على أسنانه وسط شعوره بالإضطراب من كلام معلمه .

" يا معلم أرجوك قل ما في جعبتك ، ولا تطل الحديث .. رجاءً ."

شحب وجه كل من زين وروز .

زين لخوفه من ما يعلمه ، أما روز فخوفا من طريقة أبيها .

" لن أطيل ولكن قبل ذلك أعلموا أنه أمر منتهي ولا نقاش فيه ."

"لا بأس فقد تحدث يا معلمي ."

توقف للحظه يستجمع فيها قواه ثم أدلى قائلاً .

" غداً صباحا .. سنتحرك نحو العاصمه نورثيرا ، لتخوضوا إمتحان قبول في أكاديمية نورثيرا الملكية ."

صمتوا لبرهة من الزمن ، في محاولة لاستيعاب الأمر .

فكرة مغادرة هذا الكوخ مستحيلة بالنسبة لهم ، بعد أن نبذهم العالم كان هذا المكان هو ملجأهم الوحيد .

تحركت روز نحو فيكير ، ثم ارتمت على حضنه باكية .

قبض ماكس على يده بشدة ،و خرجت الكلمات من فمه بصعوبه .

" لما .. لما يا معلم ؟ نحن لا نحتاج للذهاب إلى تلك الأكاديمية ."

" كفى يا ماكس ."

خرج زين من صمته أخيرا .

" إن أردت البقاء هنا فإفعل ، لكن هل تلك هي الحياة التي تريدها ، المعلم يريد لنا خيرا فلا يكون هذا جزاءه يا ماكس ."

لم يستطع ماكس تمالك أعصابه أكثر ، فخرج من المكتب ،و بداخله نار متقدة .

تحرك زين نحو الباب ليخرج هو الأخر ، لكن صوت فيكير أوقفه .

" إنتظر يا زين أرغب في الحديث معك ."

بينما كان فيكير يربت على رأس روز قال لها .

" روز هيا إذهبي وأكملي ما كنت تفعلين ، أرغب في الحديث مع زين قليلا ."

أمسكت به روز أكثر رافضة للرحيل .

" لا لن أتركك أبداً ."

" هيا يا روز لا تعاندي ، عليّ الحديث مع زين قليلا ، وأيضا لن أترككم حتى تنتهوا من الإمتحان ."

رفعت رأسها نحوه وقالت بعزم .

" هذه المرة فقط ، بعد ان تنتهوا سأعود لك يا أبي ."

..

العاصمة نورثيرا .

مكتب مدير الأكاديمية .

جلس على كرسي المكتب شخص طويل القامة .

شعره أشقر ، وعيناه ذهبيتان لامعتان .

يرتدي ملابس مخملية مطرزة بالذهب .

كان المدير أليستر جريمارد .

واضعاً قدم فوق أخرى ، و ممسكا بورقة تحوي أسماء .

تحركت عيناه على الورقة .

حتى توقفت عند بعض الأسماء .

تيقن لحظتها أنها لا تنتمي للنبلاء .

بل لعامة الناس .

عض على أسنانه بشدة بينما ظهر على وجهه تجاعيد جراء الغضب والسخط الشديدين .

" فقط إنتظروا ، فأول خطواتي لمحوكم في طريقها للانتهاء ."

مزق الورقة مع إبتسامة تعلو محياه .

قام من مكانه سار حتى توقف أمام الموقد .

ثم رمى الورقه فيه ، ومازالت تلك الإبتسامه المريبه على محياه .

" سيتغير كل شيء بدءً من هذا الإمتحان ، لن يستطيع أحد أن يوقفني بعدها … "

تبعها بضحكة عالية وكأنها إنتصر قبل أن يخوض معركته .

..

يتبع

كيف وجدت الرواية؟