ظلام دامس .
هذا كان كل ما يراه زين حوله .
لا ضوء ، لا صوت ، لا شيء .
سوى سواد غير متناهي .
أين أنا ؟ ..
كان هذا السؤال البديهي الذي طرحه زين .
آخر ما أتذكره كان هزيمتي لماكس ، و عودتنا إلى المنزل .
إذا ما الذي جاء بي إلى هنا ؟
تمتم بصوت خفيض .
" أما من أحد هنا ؟ إن كان كذلك فليجبني ."
رغم علو صوته إلا أنه لم يرد أحد .
وكل ما سمعه كان صدى صوته .
وسط حيرته وبدون سابق إنذار إنبثق شيء ما من العدم .
عينان قرمزيتان .
تراجع للخلف من صدمة مفاجأته .
لوهلة بدت له تلك الأعين غير بشرية .
كان كلما تحرك تتبعته الأعين .
مشتتا بما كان أمامه وغير منتبهٍ .
أُخترق جسده .
" نغاااااه ؟! "
" م..ماذا ؟ "
هبطت أعينه نحو بطنه .
نصل قرمزي .
هذا ما كان مخترقا لجسده .
وفجأه .
انتزع النصل .
ورغم شدة الألم الناتج عن اختراقه ، إلا أن خروجه لم يكن بذلك القدر .
خر على ركبتيه .
تحسس بطنه .
لا جرح ، لا دماء او ألم .
حتى أن ملابسه عادت طبيعية .
" ما الذي يجري ؟! "
كيف لهذا أن يكون واقعياً ، ما هذا المكان ، وما الذي جاء بي إلى هنا من الأساس .
ذلك النصل و تلك الأعين .
" الأعين ! "
رفع رأسه نحو مكانها .
وفي لحظه كاد أن يهاجمه شيء هائل .
مخالب !
لكن لم تصل إليه .
توقفت في لحظه وكأن جدار خفي منعها من الوصول إليه .
انتفض زين من فراشه بقوة .
شهق بقوة .
بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف ، و غطى العرق جسده .
تحسس بطنه مجددا .
لكن لا شيء .
رغم ذلك ..
ما زال يشعر بذلك النصل مغروسا في بطنه .
حلم ... لا بل كابوس .
لقد كان مختلفا هذه المرة .
هذه المخالب ...
إقتطع صوت طرقات الباب صفو أفكاره .
ثم تبعها صوت رقيق يناديه .
" زين هل أنت مستيقظ ."
" أجل يا روز ، استيقظت لتوي ."
" إذا تعال عند المكتب ، فأبي يريدنا مجتمعين ."
" حسنا لن أتأخر ."
أزال الغطاء ، ثم إعتدل في جلسته و قام من على فراشه .
ذهب بإتجاه النافذه ثم أزال الستار من عليها .
فإنساب ضوء الشمس للغرفة .
صغيره .
منظمه .
كما يفضلها زين .
أخرج من دولابه بعض الملابس .
وبعد أن تجهز ، وقف ينظر للمرآة للحظات .
وجهه حاد ، شعره أسود فاحم .
تنساب من بين خصلاته السوداء بضعة خصلات فضية اللون .
وعيناه الباردتان بلونهما الفضي .
أغمض عينه لوهلة .
لا بأس ، كان مجرد كابوس .
عندما فتح عينه مجددا كانت قد أصبحت قرمزيه .
كتلك الأعين .
تسارعت نبضات قلبه .
لكن فور أن رمش .
كانت قد عادت لطبيعتها .
استجمع شتات نفسه محاولا تجاهل ما حدث .
بعدها خرج من غرفته .
تحرك بين الممرات الخشبيه .
فالمكان الذي يعيش فيه يقع على أطراف إحدى قرى المملكه .
كوخ يكفي لأربعة أشخاص .
كان منزله وسيظل كذلك .
تحسس الحائط بينما يسير .
ذكرياته ، رفيقاه ، كل شيء في حياته .
في ذلك الكوخ الصغير .
بينما كان يسير وصل أخيراً إلى مكتب معلمه .
قبل أن يفتح الباب أوقفه سماع صوت مألوف .
" اوه لقد إستيقظت ، صباح الخير يا زين ."
لم يكن سوى ماكس ببسمته المعتاده .
" صباح الخير ."
بنبرته الباردة المعتاده .
" هيا بنا إذا ، فالمعلم ينتظر بالداخل ."
طرق زين على الباب ثم سمع صوت وهو يأذن لهما بالدخول .
" فلتدخلا ."
فتح الباب ثم دخل كلاهما .
كانت روز موجودة ، وكان معلمهم يقف أمام نافذة المكتب .
" لقد إستيقظتما إخيراً ! "
" أجل ، ماذا في ذلك ! "
عقدت روز ذراعيها و نظرت لماكس بعيناها الحمراوتين .
" لا تستفزني . حاولت إيقاظك كثيرا وانت تأبى ، رغم قولي أن أبي يريدنا أن نجتمع ."
أشاح بنظره عنها .
" هدئي من روعك ، فأنت لا تستطيعين إيقاظ أحد بشكل صحيح ."
" ألا يمكنكم أن تكفوا عن هذه المشاجرات في كل صباح ."
أشاح كل من ماكس وروز وجهيهما وقالا في نفس اللحظه .
" هو / هي من عليه / عليها أن تتوقف / يتوقف ."
صمت الثلاثه لوهلة وهم يناظرون بعضهم .
ثم ضحكوا من هذا الموقف .
مما جعل زين ينسى ما حدث معه منذ قليل ، كأنه لم يكن .
وسط ذلك إستدار من نادته روز بأبي .
والذي كان يدعى بفيكير .
" مازلتم مشرقين ككل صباح ، كم أتمنى أن تبقوا هكذا طوال حياتكم ، لكنها ستكون أنانية مني ."
تحرك حتى جلس على كرسيه ، ثم أكمل .
" إعتنيت بكم منذ أن كنتم أطفالاً ، وها أنا أراكم تكبرون ."
شعر زين بشيء غريب في داخله ، لكن تجاهل قائلا في قرارة نفسه .
سيكون كل شيء على ما يرام ، سيتقبلان الأمر .
وسط إضطراب زين بادر ماكس .
" ما بك يا معلم ، ما تقوله يشعرني بأننا سنتركك وحيداً ، إذا كان هذا تفكيرك فإرمه بعيدًا لأننا لن نبتعد عنك .. "
" أجل يا معلم ، لن نتركك أبدًا ."
إرتسمت إبتسامة صغيرة على وجه فيكير .
" أعلم ذلك ، لكن هناك أوقات يجب أن لا تضيع فيها أي فرصة ."
شبك يديه ثم أكمل .
" فرصة قد لا تعوض ."
ضغط ماكس بشده على أسنانه وسط شعوره بالإضطراب من كلام معلمه .
" يا معلم أرجوك قل ما في جعبتك ، ولا تطل الحديث .. رجاءً ."
شحب وجه كل من زين وروز .
زين لخوفه من ما يعلمه ، أما روز فخوفا من طريقة أبيها .
" لن أطيل ولكن قبل ذلك أعلموا أنه أمر منتهي ولا نقاش فيه ."
"لا بأس فقد تحدث يا معلمي ."
توقف للحظه يستجمع فيها قواه ثم أدلى قائلاً .
" غداً صباحا .. سنتحرك نحو العاصمه نورثيرا ، لتخوضوا إمتحان قبول في أكاديمية نورثيرا الملكية ."
صمتوا لبرهة من الزمن ، في محاولة لاستيعاب الأمر .
فكرة مغادرة هذا الكوخ مستحيلة بالنسبة لهم ، بعد أن نبذهم العالم كان هذا المكان هو ملجأهم الوحيد .
تحركت روز نحو فيكير ، ثم ارتمت على حضنه باكية .
قبض ماكس على يده بشدة ،و خرجت الكلمات من فمه بصعوبه .
" لما .. لما يا معلم ؟ نحن لا نحتاج للذهاب إلى تلك الأكاديمية ."
" كفى يا ماكس ."
خرج زين من صمته أخيرا .
" إن أردت البقاء هنا فإفعل ، لكن هل تلك هي الحياة التي تريدها ، المعلم يريد لنا خيرا فلا يكون هذا جزاءه يا ماكس ."
لم يستطع ماكس تمالك أعصابه أكثر ، فخرج من المكتب ،و بداخله نار متقدة .
تحرك زين نحو الباب ليخرج هو الأخر ، لكن صوت فيكير أوقفه .
" إنتظر يا زين أرغب في الحديث معك ."
بينما كان فيكير يربت على رأس روز قال لها .
" روز هيا إذهبي وأكملي ما كنت تفعلين ، أرغب في الحديث مع زين قليلا ."
أمسكت به روز أكثر رافضة للرحيل .
" لا لن أتركك أبداً ."
" هيا يا روز لا تعاندي ، عليّ الحديث مع زين قليلا ، وأيضا لن أترككم حتى تنتهوا من الإمتحان ."
رفعت رأسها نحوه وقالت بعزم .
" هذه المرة فقط ، بعد ان تنتهوا سأعود لك يا أبي ."
..
العاصمة نورثيرا .
مكتب مدير الأكاديمية .
جلس على كرسي المكتب شخص طويل القامة .
شعره أشقر ، وعيناه ذهبيتان لامعتان .
يرتدي ملابس مخملية مطرزة بالذهب .
كان المدير أليستر جريمارد .
واضعاً قدم فوق أخرى ، و ممسكا بورقة تحوي أسماء .
تحركت عيناه على الورقة .
حتى توقفت عند بعض الأسماء .
تيقن لحظتها أنها لا تنتمي للنبلاء .
بل لعامة الناس .
عض على أسنانه بشدة بينما ظهر على وجهه تجاعيد جراء الغضب والسخط الشديدين .
" فقط إنتظروا ، فأول خطواتي لمحوكم في طريقها للانتهاء ."
مزق الورقة مع إبتسامة تعلو محياه .
قام من مكانه سار حتى توقف أمام الموقد .
ثم رمى الورقه فيه ، ومازالت تلك الإبتسامه المريبه على محياه .
" سيتغير كل شيء بدءً من هذا الإمتحان ، لن يستطيع أحد أن يوقفني بعدها … "
تبعها بضحكة عالية وكأنها إنتصر قبل أن يخوض معركته .
..
يتبع