الذاكرة مش بتيجي كلها مرة واحدة. بتيجي زي موجة بطيئة على شاطئ — أول بأول، كل موجة بتجيب معاها رمل تاني.
كريم حسّ بالدوخة، جلس على الأرض. سلمى جت جنبه. عيونها دامعة من غير ما تعرف ليه بالظبط — الموجات كانت بتمسّ حاجة فيها هي كمان.
الذكريات اللي رجعت لكريم مش كانت مرعبة — كانت حزينة. مشاهد من طفولته كان حاسس إنها ناقصة دايمًا، بس ما عرفش ليه: صورة أمه بتبكي في الهاتف وعمره سبع سنين. صوت أبوه بيناقش حاجة مشفّرة مع حد مجهول. يوم بالذات — يوم دخل مختبر وخرج وحاسس إن في حاجة اتأخرت في التفكير.
كانوا خدوا منه شعوره بإن الكبار ممكن يكونوا غلطانين. كانوا خدوا السؤال.
وده أخطر حاجة تتاخد من إنسان.
في الخارج، في القاهرة كلها — الناس اللي تم تجريبهم بالموجات على مدار سنين بدأوا يحسوا بحاجة. مش كلهم فاكرين بالظبط إيه — بس فيه إحساس بإن حاجة مسروقة اترجعت. حاجة زي إن الصورة في دماغك اتوضّحت بعد ما كانت مبهمة.
خرجوا من المنشأة — عماد ما وقفهمش. الجنود ما وقفوهمش. معظمهم كانوا بيتعاملوا مع إحساس مشابه من الداخل.
طارق كان واقف برا المبنى — اتمسك ووقعوا فيه، بس كان بخير. لما شاف كريم، بكى. مش ضعف — كان دمع رجل عنده سنين كتير من الذنب بدأت أخيرًا تلاقي طريقها للخروج.
— "إيه اللي حصل جوّا؟" سأل طارق.
— "برنامج أبوي." قال كريم ببساطة. "شغّلناه."
— "وبتتذكر؟"
فكّر كريم. بص في السماء. فجر القاهرة كان بيبدأ، والضوء الأزرق الفاتح كان بيحوّل المباني لأشباح ذهبية.
— "بتذكر إنهم خدوا مني السؤال." قال. "وبتذكر إن أبوي كان عارف. ومش قادر أزعل منه — لأنه دفع حياته عشان أرجعله."
سلمى وقفت جنبه وأمسكت إيده. نور جلست على الأرض وفتحت لابتوبها وبدأت تكتب — كانت بتوثّق كل حاجة حصلت.
— "هيعرفوا." قالت نور من غير ما ترفع نظرها. "الناس هيعرفوا."
— "مش كل الناس هتصدق." قال طارق.
— "مش لازم كل الناس." ردّت نور. "بس لو واحد صحّى، بيصحّى وراه الباقيين."
الشمس طلعت. القاهرة بدأت تتحرك — ملايين الناس، كل واحد بيشيل ذاكرة ناقصة وما بيعرفش. البعض هيحسّ النهارده بإن في حاجة اترجعت. البعض هيفضل بيدور.
كريم بص في المدينة، وللمرة الأولى في حياته — حسّ إن السؤال اللي جوّاه ما اتسرقش. رجع ليه. وده كان كافي.
— "هنعمل إيه دلوقتي؟" سأل.
— "هنعمل اللي عمله أبوك." قالت سلمى. "هنحكي."
ومشوا في شوارع القاهرة الصاحية، والمدينة في الخلف عكست الشمس على زجاجها زي مرايا بتحكي قصة مدينة أخيرًا بتتذكر نفسها.
✦ النهاية — أو البداية. القاهرة بتتذكر. والسؤال رجع.