بين نارين

الفصل 1

اللقاء اللي ما كانش متوقع

659 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

كانت الساعة سبعة الصبح والقاهرة لسه بتتمدد وبتصحى

من نومها، لما ليلى حسن دخلت بوابة مستشفى الأمل بخطوة

واثقة وجاكيت أبيض فوق هدومها، وملف ضخم تحت إيدها،

وقلب مش بيحس بحاجة. ده على الأقل ده اللي بتقول نفسه

كل يوم. إنها بخير. إنها عملت السلام مع الماضي. إنها

كبرت وتغيرت.

— صباح النور يا دكتورة ليلى! قالت نادية السكرتيرة

وهي بتسلم عليها بابتسامة.

— صباح الفل يا نادية. فيه اجتماعات النهارده؟

— أيوه، اجتماع الساعة تسعة عن مشروع التوسعة. المهندس

الجديد هيعرض الخطة على إدارة المستشفى.

ليلى مشت وهي بتقلب الملف. مش مهتمة أوي بمهندس جديد

وخطط جديدة. شغلها في الجراحة ومع مرضاها، مش في

الاجتماعات والعروض التقديمية.

الساعة بالظبط تسعة، دخلت غرفة الاجتماعات الكبيرة وهي

شايلة فنجان قهوتها. الكراسي حوالين التربيزة الطويلة

كانت بتتملى بالدكاترة والإداريين. جلست في أقرب كرسي

للباب عادتها، عشان تقدر تخرج بسرعة لو جه استدعاء

طارئ.

ودخل.

مش دخل كده وبس. ده دخل بطريقة بتخلي الأوضة كلها

تحس بيه. طويل، بشرة قمحية، شعره اتغير شوية عن زمان،

وفي عينيه نفس اللمعة دي اللي ليلى كانت بتتوه فيها

وهي بنت 22 سنة.

آدم سليم.

القهوة كادت تقع من إيدها.

القلب اللي بقاله 5 سنين ساكت، دق دفعة واحدة وبعنف

وبغياظة كمان. زي ما بيقول لها: شايفة؟ ما اتقلتيش منه.

آدم وقف قدام الشاشة وبدأ يرتب أوراقه. ساعتها احتملت

ليلى تتفرج في وشه بحرية، لأنه كان منشغل ومش شايفها.

وجهه اتكبر، الملامح اتصلبت بجمال أوضح، بس عيونه...

عيونه فضلت زي ما هي. عيون بتشوف أعمق من اللي بيتقال.

فجأة رفع بصره وشال عيونه في الأوضة. وعيونه وقفت عليها.

ثانيتين. ثلاثة. أربعة.

ليلى ما بصتش. ما هزتش عينيها. إرادتها الوحيدة في

اللحظة دي كانت إنها تفضل تتنفس بشكل طبيعي.

آدم ابتسم ابتسامة صغيرة. مش ابتسامة فرحانة. ابتسامة

بتقول أشياء كتير من غير كلام. بعدين حول نظره وبدأ

كلامه.

— صباح الخير. أنا آدم سليم، المهندس المعماري المسؤول

عن مشروع توسعة الجناح الجديد. سعيد إني أشتغل مع

فريق بالمستوى ده.

صوته. صوته اتغير هو التاني. بقى أثقل وأهدى. بس لسه

فيه نفس الرنة دي.

الدكتور نادر، مدير المستشفى، وقف وصافحه.

— أهلاً يا مهندس آدم. ده فريقنا. وهعرفك على نائبة

مدير الجناح الجراحي، الدكتورة ليلى حسن، اللي هتكون

مسؤولة عن تنسيق المتطلبات الطبية مع التصميم.

جه الدور. اللحظة اللي ليلى كانت شايفاها بتيجي من أول

ما دخل الأوضة.

قامت ومدت إيدها.

— أهلاً يا مهندس آدم.

— أهلاً يا دكتورة ليلى.

إيده لفت إيدها بحرارة طبيعية وهادية. بس اللمسة دي

اشتعلت جوه ليلى زي جمر تحت رماد. حافظت على وجهها

ثابت. سنين الشغل في الطوارئ علمتها تحافظ على بنج

في وشها وقت الأزمات.

الاجتماع بدأ وآدم عرض خطته. كان شاطر، فعلاً. التصميم

كان رائع وعملي في نفس الوقت. ليلى كانت بتسمع وبتدون

ملاحظات بس جزء من دماغها كان رايح في مكان تاني.

راجعها يوم كانوا لسه في الكلية. آدم وقتها كان بيعمل

ماكيت لمشروع تخرجه، وهي كانت بتذاكر تشريح. قعدوا

مع بعض في المكتبة من بعد الظهر لحد ما أذن المغرب،

وما حسوش بالوقت.

— دكتورة ليلى؟

رجعت. آدم كان بيبص عليها والكل بيبص عليها.

— معليش. قولت إيه؟

— سألت لو عندك تعليق على موقع غرف الإنعاش؟

نظرت في الخريطة. دماغها الطبية اشتغلت فوراً.

— لازم تكوني أقرب للأسانسير الرئيسي. ووفري ممر

مخصوص بين الجراحة والإنعاش، ده بيوفر دقائق ممكن

تفرق في حالات الطوارئ.

آدم بص فيها ثانيتين. بعدين دون على ورقته.

— ملاحظة ممتازة. شكراً يا دكتورة.

قالها من غير ما يبتسم. وده كان أصعب من الابتسامة.

الاجتماع خلص وأول ما الناس بدأت تقوم، ليلى شدت شنطتها

وملفها وقامت بسرعة. خطت للباب وكادت توصله.

— ليلى.

وقفت. ما كانش "دكتورة ليلى". كان "ليلى" وبس. باسمها

اللي ما حدش بيناديها بيه هنا.

استنت ثانية وبعدين استدارت.

كان واقف على بعد متر منها. عيونه بتقرأها.

— عامل إيه؟

سؤال بسيط. سؤال عادي. بس كان مليان كل حاجة.

— تمام، شكراً. إنت؟

— أنا كمان. صعب بس...

توقف. كأنه غير رأيه في حاجة كان هيقولها.

— إن شاء الله التعاون يكون كويس.

ابتسمت ابتسامة مهنية.

— بالتوفيق.

ومشت. وأول ما وصلت لأوضتها، أغلقت الباب ووقفت

ضهرها في الباب وأغمضت عينيها.

القلب اللي بقاله 5 سنين ساكت... كان بيصرخ دلوقتي.