ليلى ما نامتش الليل ده.
قعدت في سريرها وعيون مفتوحة وعقلها رايح جاي. أي ما
تحاول تشغل نفسها، كان وشه بيرجع. صوته بيرجع. واللحظة
دي لما إيده لفت إيدها.
سبع سنين. خمسة منهم من بعد ما بعدوا عن بعض. كانت
فكرة إن المشاعر ممكن تفضل بهاللقوة فاجأتها. إيه اللي
كانت فاكرته؟ إنها علاجت نفسها؟ إنها نسيت؟
قامت من السرير وعملت شاي، وقعدت في البلكونة. القاهرة
من تحتيها كانت لسه صاحية. الأضواء والعربيات والأصوات.
المدينة دي ما بتنامش، وليلى حاسة إنها زيها.
راجعها اليوم الأخير. اليوم اللي اتغير فيه كل حاجة.
كانت الساعة عشرة بالليل وآدم جاء عندها في بيت أهلها.
وجهه كان مغير. في إيده ورق. ورق بيثبت حاجة واحدة:
إنها اتكلمت فيه مع أهله ورفضت بيته، وإنها قالت إنها
مش شايفة مستقبل مع حد مش عنده "طموح كفاية".
وليلى في الحقيقة ما قالتش ده. أبداً.
اللي حصل إن أمها، ست الحت والدلع والقلق، اتكلمت مع
ست أم آدم في تليفون وأم آدم فهمت الكلام غلط، وآدم
سمع النسخة المتشوهة من كلام أمه.
بس في اللحظة دي، وأمام الورق والغضب في عيونه، ليلى
ما قدرتش تشرح. ما لقيتش الكلام. وحين حاولت، آدم كان
خلص من الكلام. قلبه كان اتكسر.
— ما كنتيش محتاجة تقولي كده في وشي. كان يكفي إنك
تقولي مش عايزاني من البداية.
— آدم أنا..
— خلاص يا ليلى. كفاية.
ومشي.
وليلى وقفت في مكانها وحست إن الأرض بتنزل منها.
حاولت تكلمه. مرات كتير. بس آدم ما ردش. وبعد أسبوعين
وصلها إن سافر دبي.
سلمى صاحبتها وقتها قالتها: "امسحيه يا ليلى. راجل
سافر من غير ما يسمعك مش جاهز عليكي."
وليلى حاولت تصدق ده. حاولت تمشي. وبالفعل مشت. درست
وتفوقت وبقت دكتورة وعملت حياتها. بس الجرح ده... فضل.
الصبح، لبست هدومها وراحت المستشفى بدري. فضلت مشغولة
في الغرف والعمليات لحد الظهر. بعدين سلمى دخلت عليها
الأوضة وهي لاقية.
— ليلى! مين المهندس الوسيم اللي في مشروع التوسعة ده؟!
قالت وعيونها بتلمع.
ليلى ما رفعتش بصها من الملف.
— مهندس.
— يا ستي أنا شوفته من الردهة. والله وقفت في مكاني.
عيونه دول والطولة دي و...
— سلمى.
— إيه!
— ده آدم.
صمت مفاجئ. بعدين سلمى سحبت كرسي وجلست ببطء كأن
رجليها بقوا تقيلين.
— آدم... آدم سليم؟ آدم بتاعك؟
— مابقاش بتاعي من 5 سنين.
— يا نهار أسود. وإنت بتعرفي كده إمتى؟
— امبارح في الاجتماع.
— وعملتي إيه!
— قولتله أهلاً وشكرته على الملاحظة وطلعت.
سلمى بصت فيها بعيون بتبحث عن اللي مش بيتقال.
— ليلى...
— أنا تمام.
— ليلى بتقولي تمام وشفايفها بتترعش.
ليلى حطت القلم. نظرت في صاحبتها.
— هو ده الواقع يا سلمى. هنشتغل سوا في مشروع. هعمل
دوري المهني بكل احترافية. وتمام.
— وقلبك؟
— قلبي مش في الموضوع.
سلمى فتحت تتكلم. بعدين غيرت رأيها وبس قالت:
— حسناً.
بعد العصر، ليلى كانت بتمشي في الممر الطويل اللي بيوصل
لجناح التوسعة اللي لسه بيتبني، لما سمعت صوت خطوات
جنبيها.
— ممكن دقيقة؟
استدارت. آدم كان واقف بعيد بمسافة مناسبة. ماسك ملفاته.
— طبعاً.
— أنا عارف إن الموضوع محتاج شوية وقت عشان نتعود على
بعض تاني في سياق شغل. وعايز أقولك إن أنا ملتزم
بالمهنية الكاملة طول الوقت.
كلامه كان واضح وهادئ. ليلى عرفت إنه اتعب في صياغته.
— أنا كمان. ماشي.
— تمام. بكرة عندنا لقاء تنسيق، الساعة عشرة. هيكون
كويس لو قدرتي تجيبي متطلبات الجناح الجراحي مكتوبة.
— هجيب.
آدم هم يمشي. بعدين وقف من غير ما يستدير.
— ليلى... كنت عايز أقولك... إنك بدي عليكي كويس.
قالها وبعدين مشي فعلاً من غير ما يستنى ردها.
وليلى وقفت في مكانها والجملة دي بتدور في دماغها. خمس
كلمات بسيطة. بس جوهم كل التعقيد.
راحت أوضتها وقعدت. فكرت في اليوم الأخير. وفكرت في
كل الأيام اللي بعده. وحست لأول مرة من 5 سنين إنها
محتاجة تعرف الحقيقة. الحقيقة الكاملة لما حصل.
مش عشان ترجعله. لا.
بس عشان جرح ما اندمش. وجرح ما اندمش لازمه سبب.