بين نارين

الفصل 3

المسافة الصح

623 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

آدم رجع الفندق الليل ده وعقله مش معاه.

فتح لابتوبه وحاول يكمل في التصميمات. الشاشة قدامه

كانت مليانة خطوط ومقاسات وحسابات. بس عيونه كانت

بتشوف حاجة تانية.

كانت بتشوف وشها.

مش الوش اللي كانه زمان. ده وش اتكبر وصحي فيه حاجة

جديدة. جدية وعمق وحاجة حلوة بتطلع من الجوه. بقت أجمل.

مش بطريقة الصورة، بطريقة الجوهر.

ده اللي كان أصعب.

أول ما كريم، أخوه الأصغر، اتصل بيه الليل ده، آدم رد

بسرعة.

— إيه أخبارك يا عم؟

— أنا تمام. إنت إيه أخبارك؟ وصلت القاهرة من إمتى؟

— من امبارح.

— وعملت إيه في اليوم الأول؟

آدم تمدد على الكنبة.

— اشتغلت. اجتماعات.

— وبس؟

— وبس يا كريم.

صمت من الجهة التانية. بعدين:

— قابلتها؟

آدم ما اتفاجأش. كريم دايماً عارف.

— آه.

— وعملتوا إيه؟

— عملنا ناس بيشتغلوا مع بعض.

— ده كل حاجة؟

— يا كريم... مرت 5 سنين.

— وكمان لو مرت 50 سنة، إنت حاسس بيها وإنت بتكلمني

دلوقتي. صوتك مختلف.

آدم حط إيده على عينيه.

— الموضوع خلص يا كريم. اتخلص زمان.

— الموضوع اتخلص لما فهمتوا اللي حصل وتكلمتوا؟

— الموضوع اتخلص لما أمها...

— أمها قالت كلام وأمك فهمته غلط وإنت صدقت من غير

ما تسمع منها. ده اللي حصل.

آدم صحي.

— إنت عارف إيه اللي حصل بالظبط؟

— يا عم آدم أنا كنت صغير بس مش أعمى. شفت كل حاجة.

وكنت دايماً عارف إن ليلى ما قالتش اللي قيل عليها.

الكلام ده وقع على آدم تقيل. مش إنه مش كان يعرف في

قلبه. في قلبه كان شاك من أول يوم. بس الكبرياء والجرح

كانوا أكبر من عقله في الوقت ده.

— يا كريم أنا ما رجعتش مصر عشان...

— أنا عارف. رجعت عشان المشروع. بس القدر بيبقى عنده

كلام.

خلص الكلام وآدم فضل صاحي لساعات.

في الصبح، وصل المستشفى بدري عشان يراجع القياسات

الجديدة في الموقع. المكان كان شبه فاضي في الساعة ده.

مشي في الأجنحة وهو بيدون، وفجأة سمع صوت.

ليلى كانت في نهاية الممر، واقفة قدام نافذة كبيرة بتبص

على حديقة المستشفى. في إيدها فنجان قهوة. لابسة الجاكيت

الأبيض. شعرها محلول على كتفها.

آدم وقف. مش عارف يكمل أو يرجع.

ليلى التفتت. حسها بيه.

— صباح الخير.

— صباح النور. بدري كمان؟

— دايماً. إنت؟

— جيت أراجع القياسات.

— تفضل. مش هيأثر عليك.

آدم مشي ناحيتها وعيونه بتتفرج في الخرايط. بس لما وصل

لجنبها، ما قدرش ما يبصش في اتجاه نظرتها.

الحديقة كانت جميلة فعلاً. ولأ الأشجار كانت لسه خضرا

والنور الصبح الوادع كان بيديها لون ذهبي.

— حلوة، قالها.

— بتيجي هنا كل يوم الصبح؟

— لما أفضل أبات في المستشفى. اللحظة دي بين الليل

والنهار بتكون هادية.

آدم اتكى على الحيطة المقابلة وبص في نفس الاتجاه.

— في دبي كنت بروح الكورنيش الصبح بدري. نفس الفكرة.

وقت ما بيكونش فيه ضوضاء.

ليلى ما ردتش. بس ما تحركتش.

آدم حاول ما يقولش اللي جاي على لسانه. بس طلع.

— ليلى... أنا آسف.

صمت.

— آسف على إيه بالظبط؟ قالت من غير ما تبص فيه.

— على إني ما سمعتكيش. في الوقت ده. كنت المفروض

أسمعك من بدري وما سمعتش.

ليلى بصت في الحديقة.

— خلص يا آدم. 5 سنين.

— أنا عارف. مش بقول ده عشان أرجع لحاجة. بقوله عشان

كنت غلطان وكنت لازم يتقال.

ليلى رشفت قهوتها. إيدها كانت بتتحرك بهدوء.

— اللي فات، فات.

— صح.

— وإحنا دلوقتي زملاء شغل.

— صح كمان.

— طيب خلينا نتمشى فيها كده.

آدم بص فيها أخيراً. وجهها كان ثابت بس عيونها بتقول

حاجة تانية.

— حسناً. بس ليلى...

— آدم.

— آه؟

— المسافة دي كويسة. متضيقهاش.

قالت وبعدين قامت تمشي. والجملة دي فضلت في الهواء

زي حاجة بتحترق ببطء.

آدم وقف في مكانه. شفايفه ابتسمت من غير قصد.

المسافة الصح. هي قالت "المسافة الصح" مش "المسافة".

ده معناه إنها عارفة إن المسافة الخاطية موجودة. ومعناه

إنها حاسة بنفس الحاجة اللي هو حاسس بيها.

وده... ده كان كتير.