الأشهر الستة مرت.
مرت بكل ما فيها: ضغط وشغل وأيام صعبة وأيام فيها
ضحك. خلافات صغيرة اتحلت بالكلام. مواقف صعبة
اتعدت بالصبر. ومسافة بدأت تتضيق من غير خوف.
ليلى وآدم مشوا في علاقة بنوها ببطء وبوعي. مش كل
يوم كان جميل. بس كل يوم كان حقيقي. وده كان أهم.
آدم علمها إن الثقة مش بتيجي في لحظة. بتتبنى في لحظات
صغيرة. في كل مرة بيقول اللي بيحس بيه. في كل مرة
بيسمع من غير ما يحكم. في كل مرة بيفضل موجود لما
الأمور بتتقل.
وليلى علمته إن القوة مش في ما بتحجبش. القوة في إنك
تعرف الضعف بتاعك وتبنيه مع حد بيستاهل.
يوم الجمعة الأخيرة قبل نهاية المشروع، الفريق كله
احتفل في المستشفى بانتهاء مرحلة التصميم. كانت ليلة
حلوة. الضحك كان كتير والكلام كان أكتر.
بعد ما الكل مشى، آدم وليلى فضلوا في ردهة المستشفى
لوحدهم.
— إيه بعدين؟ قالت.
— المشروع هيكمل مع فريق التنفيذ. بس دوري الرئيسي خلص.
— وإنت؟
— قررت.
ليلى بصته.
— قررت إيه؟
آدم خطا خطوة ناحيتها.
— قررت أفضل في القاهرة. فتحت مكتب هنا.
ليلى قلبها دق.
— بسببي؟
— بسبب أشياء كتير. القاهرة بيتي. وفيها شغلي. وفيها...
توقف. وبسم.
— وفيها حاجات تانية.
الحاجات التانية. ليلى ابتسمت.
— آدم...
— آه؟
— أنا سعيدة إنك قررت.
مد إيده وحط خصلة شعر وراء أذنها. حركة بسيطة وحانية.
— ليلى، الخوف اللي كنتي حاساه في الأول...
— لسه موجود شوية.
— أعرف. بس أقل؟
— أقل بكتير.
— وإيه اللي زاد بدله؟
نظرت فيه.
— الثقة. وحاجة تانية.
— حاجة تانية إيه؟
— سعادة. من النوع الهادي. مش الصاخب. من النوع اللي
بتحس بيه وإنت بتصحى الصبح وعارف إن حد موجود
بيفكر فيك.
آدم نظر فيها بطريقة جعلت العالم كله يهدأ.
— أنا بفكر فيكي دايماً.
قالها ببساطة. من غير زيادة. ومن غير نقصان.
وليلى، اللي عاشت 5 سنين بتبني حواجز وبتحافظ على
مسافة آمنة، في اللحظة دي اختارت. مش من غير وعي.
مش من غير خوف. لكن باختيار واعي وكامل.
اختارت إنها تكون موجودة. إنها تثق. إنها تدي الحياة
فرصة تثبت إنها أحياناً بتتصلح.
خطت خطوة واحدة ناحيته. وآدم ما تحركش. انتظرها تيجي
هي. لأنه كان عارف إن ده كان قرارها هي.
وقفت قدامه قريبة. ورفعت بصها فيه.
— في مشاعر بين نارين يا آدم. الخوف من الماضي والأمل
في المستقبل. والاتنين بيشتعلوا في نفس الوقت.
— وإيه اللي اختارته؟
— اخترت الأمل.
وابتسم. ابتسامة أول مرة تبانتلها كاملة. من غير تحفظ.
من غير حاجة محجوبة.
إيده أمسكت إيدها.
والقاهرة من حواليهم كانت بتتنفس زي ما هي دايماً.
والمستشفى بيشتغل والحياة بتكمل.
وفي وسط كل ده، قلبين اتكسروا زمان. وبدأوا يتلموا.
مش زي ما كانوا. أحسن. أقوى. أكثر وعياً.
لأن الحاجة اللي بتتكسر وبتتلم صح بتكون أمتن من اللي
ما اتكسرتش أبداً.
وده كان نهاية البداية.
نهاية "بين نارين."
وبداية ما بعدها.
═══════════════════════════════════════
النهاية