جرح ما اندمل

الفصل 1

الفصل الأول

825 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

: "اليوم اللي اتكسر فيه كل حاجة"

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين فتحت ليلى باب الشقة وهي تحمل في يدها كيس البقالة الثقيل وفي عينيها بقايا يوم لم يرحمها لحظة واحدة. أطفأت مصباح السيارة، صعدت الدرج ببطء كأن كل درجة تسألها: "ليه رجعتي؟" وهي لا تملك إجابة.

دفعت الباب بكتفها، دخلت، ألقت الكيس على أرضية المطبخ بدون أن تنزله باليد، وجلست على الكرسي القريب من النافذة. النافذة التي طالما جلست عندها تنتظر صوت مفتاح كريم في الباب. اليوم لم تكن تنتظر أحداً. اليوم كانت تنتظر أن تتنفس فقط.

المنزل كان هادئاً بشكل مؤلم. ذلك النوع من الهدوء الذي لا يعني السلام، بل يعني أن كل شيء انتهى. الأثاث لا يزال في مكانه، التلفاز، الستائر الكريمية التي اختارتها هي بنفسها من معرض في وسط البلد قبل ثلاث سنوات، الصورة على الحائط التي تجمعهما يوم زفافهما وهما يبتسمان لكاميرا لم تكن تعرف أن البسمتين كانتا كذبتين مختلفتين. هو كان يكذب عليها. وهي كانت تكذب على نفسها.

مدّت يدها إلى هاتفها. ثلاث وعشرون رسالة لم تقرأها. أحد عشر اتصالاً من سلمى. رسالتان من كريم، قرأت الأولى: "ليلى، لازم نتكلم." أغلقت الهاتف. لا. لا يوجد شيء اسمه "لازم نتكلم" بعد كل اللي حصل. الكلام انتهى. الكلام مات في الليلة التي وجدت فيها تلك الرسائل على هاتفه.

ليلى حمدي، ثلاثة وثلاثون سنة، مدرسة لغة عربية في مدرسة حكومية بالقاهرة، متزوجة منذ خمس سنوات، أم لطفل واحد اسمه يوسف عمره أربع سنوات ينام الآن في غرفته لا يعرف شيئاً. لا يعرف أن أباه لم ينم في البيت منذ أسبوعين. لا يعرف أن أمه تبكي في الحمام كل ليلة حتى لا يسمعها. لا يعرف أن الدنيا من حوله بدأت تتفكك بصمت.

قامت، ذهبت إلى غرفة يوسف، فتحت الباب برفق، وقفت عند عتبة الباب وحدّقت فيه. كان نائماً على جنبه الأيمن، يده الصغيرة تحت خده، تنفسه ثقيل وهادئ، فمه الصغير مفتوح قليلاً. شعرت بشيء ينكسر في صدرها وشيء آخر يتماسك في نفس اللحظة. هذا الطفل هو السبب الوحيد الذي جعلها لا تنهار كلياً. هذا الطفل هو الخيط الرفيع الذي يمسكها فوق الهاوية.

أغلقت الباب، عادت إلى الصالة، جلست على الأرض مسندةً ظهرها إلى الأريكة. وفي الهدوء الثقيل، بدأت تتذكر.

تذكرت اليوم الذي التقت فيه بكريم في بيت صديقتها منى. كان يضحك بصوت عالٍ على نكتة لم تكن مضحكة، لكنها أحبّت الطريقة التي ضحك بها، كأن الدنيا عنده أبسط من أي شيء. قالت لمنى بعدها بساعة: "اللي بيضحك كده مش ممكن يكون إنسان وحش." منى ردّت: "يا ليلى، أوحش الناس بيضحكوا أكتر من غيرهم." لم تصدّقها وقتها.

تذكرت خطبتهما، ثمانية أشهر كان فيها كريم كل ما تمنّته في رجل. حاضر، يسمع، يهتم، يسأل عن تفاصيل يومها وكأنها تفاصيل مهمة. كان يتصل بها قبل النوم ليسألها: "حلمتِ إيه امبارح؟" وهي كانت تحكيله بأحلام مصنوعة أحياناً لأن الأحلام الحقيقية لم تكن تتذكرها، لكنها أرادت أن تعطيه ما يريد سماعه. الآن فهمت أن الاثنين كانا يفعلان نفس الشيء. الاثنان كانا يصنعان شيئاً لم يكن حقيقياً.

ثم جاء الزواج. والزواج كشف ما لم يكشفه شيء آخر.

في السنة الأولى كان كل شيء جيداً، جيداً بالمعنى العادي، ليس الرائع ولا المؤلم، فقط جيد. في السنة الثانية جاء يوسف وتغيّر كريم، صار أكثر انشغالاً، أكثر غياباً، لكنها قالت لنفسها: "طبيعي، الولد أضاف مسؤوليات." في السنة الثالثة بدأت تلاحظ أن هاتفه لا يفارق يده، أن وجهه يتغيّر حين يرنّ أحياناً، أن بعض الرسائل يمسحها فور ما يقرأها. لكنها لم تسأل. خافت من الإجابة. والخوف من الإجابة أسوأ من الإجابة نفسها لأنه يجعلك تعيش مع السؤال بلا نهاية.

في السنة الرابعة وجدت الرسائل.

لم تكن تبحث. هذا ما يؤلمها أكثر. لم تكن تتجسس أو تشك بشكل مباشر. كان هاتفه على الطاولة وهي تمسح الطاولة، رنّ الهاتف وانقلب فانعكس الشاشة على الطاولة وهي رأت أول جملة في الرسالة. جملة واحدة. لكن تلك الجملة كانت كافية لتهدم كل شيء بُني في أربع سنوات.

جلست على الأرض طوال الليل. لم تبكِ فوراً. البكاء جاء بعدها بساعتين، وجاء بعنف كأنه مخزون من سنوات. بكت ليس فقط على الخيانة، بل على كل الأوقات التي شكّت فيها وسكتت. على كل مرة قالت فيها لنفسها "مش معقول." على كل ليلة نامت وهي مطمئنة وهو كان يكذب عليها في نفس الوقت.

أخبرت سلمى فقط. سلمى أصغر منها بأربع سنوات لكنها أحكم منها بعشرين. جاءت سلمى في نفس الليلة، جلست معها حتى الفجر، لم تقل الكثير، فقط كانت موجودة. وأحياناً الوجود وحده يكفي.

قرّرت ليلى ألا تقول لأحد غير سلمى. لا أمها، لا صديقاتها، لا أهل كريم. قرّرت أن تتعامل مع الأمر بهدوء. وهدوءها كان من النوع الذي يشبه السكين، لا يُرى من بعيد لكنه يقطع من قريب.

طلبت منه أن يخرج. خرج. بدون جدال طويل، وهذا أيضاً آلمها. لو كان جادل أو أنكر أو طلب فرصة لكان معناه أنه يريد إصلاح شيء. لكنه أخذ حقيبته وخرج بسرعة أشبه بمن كان منتظراً هذه اللحظة.

الآن، على الأرض، في منتصف الليل، نظرت ليلى إلى السقف وقالت لنفسها بصوت خافت جداً: "أنا مش بكّاية. وأنا مش ضعيفة. بس أنا تعبانة جداً."

وفي تلك اللحظة رنّ هاتفها.

رسالة من رقم لا تعرفه. فتحتها.

"ليلى حمدي؟ أنا محتاجة أكلمك في حاجة مهمة جداً عن كريم. حاجة ما تعرفيهاش. ومش الخيانة."

🔥 "في الحياة في حاجات أوجع من الخيانة... وليلى كانت على وشك تعرفهم."