جرح ما اندمل

الفصل 2

الفصل الثاني

671 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

: "الرسالة اللي فتحت باب الجحيم"

لم تنم ليلى تلك الليلة. الهاتف كان في يدها والرسالة مفتوحة والرقم غريب والجملة الأخيرة تدور في رأسها كأنها أغنية مزعجة لا تعرف كيف توقفها: "مش الخيانة." إذا لم تكن الخيانة، فماذا يمكن أن يكون أسوأ؟ ماذا يمكن أن يكون بعدها؟

ردّت على الرسالة بعد ساعة من التردد: "مين انتِ؟"

لم يأتِ الرد فوراً. جاء في الصباح الباكر حين كانت تحضّر يوسف لروضته. رنّ الهاتف وهي تضع الزبادي أمامه على المائدة، نظرت إلى الشاشة، رسالة جديدة: "اسمي نهاد. أنا عارفة كريم من زمان. ممكن نتقابل؟ في حاجة لازم تعرفيها."

نهاد. البسم لم يكن في قاموس ليلى ذلك الصباح. نهاد مين؟ من أين ظهرت؟ ولماذا الآن بالذات؟ في اللحظة التي تحاول فيها أن تقف على قدميها وتعيد ترتيب حياتها، تأتيها رسالة من مجهولة تقول إن هناك ما هو أسوأ مما تعلم؟

أوصلت يوسف، عادت، اتصلت بسلمى.

سلمى قالت فوراً: "لا تتقابليش معاها. مش عارفاها. ممكن تكون مشكلة."

ليلى قالت: "وممكن تكون حقيقة."

"وإيه اللي هيتغيّر لو اتعرفتِ على حقيقة تانية؟ مش كده كده خلاص؟"

صمتت ليلى. سلمى محقة من ناحية. لكن كان في داخلها شيء لا يعرف كيف يكون مرتاحاً مع نصف الحقيقة. كانت دائماً كذلك. حتى في الصغر حين كانت أمها تقول "مش مهم" كانت هي تقول "مهم. أنا عايزة أعرف."

ردّت على نهاد: "فين ومتى؟"

المكان كان مقهى صغيراً في منطقة المعادي، هادئ، بعيد عن الضجيج. ليلى وصلت أولاً واختارت طاولة في الزاوية لأنها لا تحب أن يرى الناس وجهها حين تتفاجأ. وكانت متأكدة أنها ستتفاجأ.

نهاد دخلت بعد دقائق. كانت في الأربعينيات، طويلة القامة، شعرها قصير وفيه خصلات رمادية لم تصبغها، وجهها فيه علامات امرأة مرّت بأشياء كثيرة ولم تتكسر. جلست، طلبت قهوة، ونظرت إلى ليلى مباشرة. تلك النظرة التي لا تدور حول الموضوع.

"شكراً إنك جيتِ."

"قولي إيه اللي عندك."

أعجبها ليلى. هذا ظهر على وجه نهاد، إعجاب سريع، ثم جدية. أخرجت من حقيبتها ملفاً، وضعته على الطاولة، لكنها لم تفتحه. نظرت إلى ليلى وقالت: "أنا كنت جارة عيلة كريم في الإسكندرية. من قبل ما تتجوزيه بكتير. كنت عارفاه وهو صغير. عارفة أهله."

"وإيه؟"

"كريم مش بس خانك."

توقفت. ليلى انتظرت.

"كريم... عنده طفل تاني. بنت. عمرها سنتين وتلاتة أشهر. أمها اسمها رنا. وهو مش بس مش عارف برزق البنت، هو بيدفع نفقة منتظمة ليها بعيد عنك. ودي مش المشكلة الكبيرة."

ليلى شعرت بالأرض تدور. طفل ثانٍ. طفل آخر. يوسف له أخت لا يعرف بها.

"إيه المشكلة الكبيرة إذن؟"

نهاد فتحت الملف. أوراق. صور. وثائق. وضعت إحدى الصور أمام ليلى.

"المشكلة الكبيرة... إن كريم كمان متجوز من رنا. رسمي. من سنتين."

الصمت الذي جاء بعد تلك الجملة كان من نوع لم تعرفه ليلى من قبل. ليس الصمت الحزين ولا الغاضب. الصمت الفارغ. النوع الذي يأتي حين يكون العقل مشغولاً بجمع أجزاء صورة وحين تكتمل الصورة يكتشف أنه لا يريد أن يرى الصورة أصلاً.

"عقد زواج؟"

"آه. موثّق. في الإسكندرية. بعيد عن القاهرة عشان محدش يعرف."

"وانتِ... عرفتِ إزاي؟"

"لأن رنا اتصلت بيّا. رنا هي اللي طلبت مني أوصلك الموضوع ده. هي عايزة تكلمك انتِ بنفسك. بس خافت."

"خافت مني؟"

"خافت من ردة فعلك."

ليلى نظرت إلى الأوراق أمامها. نظرت إلى عقد الزواج. تاريخه. قبل سنتين. يوسف كان عمره سنتين حين تزوج كريم من امرأة أخرى في مدينة أخرى. حين كانت هي تحضّر له العشاء وتنتظره وتؤمن بكل كذبة قالها.

ثم فجأة تذكرت شيئاً. تذكرت رحلة العمل التي قالت إنها مدتها أسبوع في الإسكندرية. قبل سنتين بالضبط. أسبوع كامل. قال إنه مشروع كبير في شركته. أرسل لها صوراً من الكورنيش. ضحك معها على الهاتف كل ليلة. قال إنه يشتاق لها ويوسف.

في تلك الأسبوع كان يتزوج من امرأة أخرى.

"ليلى؟"

رفعت رأسها. نهاد كانت تنظر إليها بحذر.

"أنا تمام."

"إنتِ مش لازم تكوني تمام."

"أنا قلت أنا تمام."

أخذت الأوراق. وضعتها في حقيبتها. شربت القهوة التي أمامها حتى آخرها. قامت، دفعت ثمن القهوة، نظرت إلى نهاد وقالت: "شكراً. ابعتيلي رقم رنا."

خرجت من المقهى وهي تمشي بخطوات ثابتة. انتظرت حتى وصلت إلى سيارتها. أغلقت الباب. ثم أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة واحدة لكريم:

"أنا عارفة. كل حاجة."

ثلاث كلمات. وأغلقت الهاتف.

🔥 "كريم حاول يتصل مية مرة. بس ليلى كانت بتفكر في حاجة تانية خالص... كانت بتفكر ليه أمها قرأت اسم رنا وشالت لونها."