جرح ما اندمل

الفصل 3

الفصل الثالث

575 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

: "أسرار البيوت القديمة"

الخيط الذي لم تتوقعه ليلى بدأ من وجه أمها.

لم تكن تقصد أن تخبر أمها بشيء. قرّرت من البداية أن تتعامل مع الأمر كله بنفسها، بعيداً عن أم محمود كما يسميها الجيران، تلك المرأة التي تعيش في شقة الدور الثاني في نفس العمارة التي ترفض الانتقال منها منذ توفّي زوجها رحمه الله قبل اثنتي عشرة سنة. أم محمود كانت من النوع الذي يسمع كثيراً ويعلّق قليلاً، لكن حين تعلّق يكون التعليق حاداً كالسكين ومضبوطاً كالميزان.

ذهبت ليلى إليها في عصر اليوم التالي. كانت تحمل يوسف على يدها وعذراً جاهزاً: جاءت لتشرب الشاي فقط، جاءت لأن يوسف يريد تتة، جاءت لأي سبب إلا السبب الحقيقي.

جلسن في الصالة. أم محمود أحضرت الشاي وبعض البسكويت ليوسف وأرسلته ليلعب في غرفة ألعابه القديمة التي لا تزال محتفظة ببعض لعب أولادها من الصغر. ثم جلست مقابل ابنتها وقالت بدون مقدمات: "إيه اللي في وشك؟"

"مفيش حاجة يا ماما."

"ليلى."

الطريقة التي نطقت بها اسمها. فقط الاسم. لكن بنبرة تقول: لا تكذبي عليّ.

وليلى لم تستطع. حكت. ليس كل شيء، لكنها ذكرت اسم رنا. ذكرت الزواج الثاني في الإسكندرية.

وحين ذكرت اسم رنا، رأت شيئاً يتغيّر في وجه أمها.

ليس تعاطفاً. ليس غضباً. شيء آخر. شيء يشبه الخوف.

"ماما؟"

"اللي بتقوليه ده صح؟"

"آه. عندي الأوراق."

أم محمود وضعت كوب الشاي ببطء على الطاولة. نظرت إلى الحائط. تلك النظرة التي تعني أنها ليست حاضرة هنا، أنها في مكان آخر، في زمن آخر.

"يا ماما... عرفتِ اسم رنا ده من قبل؟"

"مين قالك إني عرفته؟"

"وشك."

صمت. طويل. يوسف كانت تُسمع أصوات لعبه من الغرفة البعيدة، أصوات بريئة لا تعرف الثقل الذي يملأ الصالة.

أم محمود أخيراً تكلمت وهي لا تزال تنظر بعيداً: "رنا بنت ناس كنا نعرفهم. زمان. في الإسكندرية."

"زمان إمتى؟"

"من قبل ما تتولدي انتِ."

"يعني إيه من قبل ما أتولد؟"

التفتت إليها أمها. ولأول مرة في حياتها رأت ليلى في عيني أمها شيئاً لم تره من قبل. رأت ندماً. ليس ندم الحاضر. ندم الماضي البعيد، النوع الذي يُحمل لسنوات حتى يصير جزءاً من الإنسان نفسه.

"يا ماما. قوليلي."

"مش الوقت."

"ماما!"

"قلت مش الوقت يا ليلى." نبرتها حادة لكن فيها شيء يشبه الرعب. "في حاجات أنا محتاجة أرتب دماغي فيها الأول. مش هعرف أكلمك دلوقتِ."

خرجت ليلى من شقة أمها وهي تحمل سؤالاً جديداً أثقل من كل الأسئلة السابقة. كريم تزوج من بنت ناس كانت تعرفهم أمها. ما الرابط؟ ما الذي تخفيه أمها منذ ثلاثين سنة؟

في الليل اتصلت بسلمى. أخبرتها. سلمى أيضاً صمتت بطريقة غريبة.

"سلمى؟ انتِ عارفة حاجة؟"

"لأ."

"صوتك بيقول غير كده."

"والله ما أنا عارفة حاجة يا ليلى. بس..."

"بس إيه؟"

"بس أنا لاحظت زمان إن ماما كانت بتتجنب الكلام عن الإسكندرية بشكل عام. زي ما فيه حاجة هناك بتوجعها."

ليلى جلست على سريرها في الظلام. ربطت الخيوط. أمها وبنت ناس في الإسكندرية. كريم وزواجه في الإسكندرية. رنا التي اتصلت بنهاد وطلبت أن توصل الخبر لليلى. لماذا؟ لماذا اهتمت رنا بأن تعرف ليلى؟ لماذا لم تصمت؟ ما الذي تريد رنا من ليلى تحديداً؟

اتصلت برنا في اليوم التالي.

رنا كانت صوتها هادئاً وحزيناً، صوت امرأة تعبت من حمل سر ثقيل. قالت: "أنا آسفة إنك اتأذيتِ. بس ما كانش ينفع أسكت."

"ليه؟ انتِ مالك؟ هو خانك انتِ كمان؟"

"لأ. أنا مش قصدي. أنا..." توقفت. "أنا محتاجة أسألك سؤال. اسم أمك إيه؟ أقصد اسمها الكامل قبل الجواز؟"

ليلى فعلت. ذكرت اسم أمها كاملاً.

صمت طويل من ناحية رنا.

ثم: "إذن... الأمور أعقد مما فكّرت."

"إيه معنى كده؟"

"ليلى... كريم ما اختارنيش أنا بالصدفة. ولا اختارك انتِ بالصدفة."

🔥 "مفيش صدفة في الحكاية دي من الأول. وليلى كانت لسه في أول الطريق."