جرح ما اندمل

الفصل 4

الفصل الرابع

678 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

: "الرجل اللي جه من غير ميعاد"

طارق دخل حياة ليلى من باب لم تكن تتوقع أن يفتح.

كانت في السوبر ماركت القريب من بيتها، يوم الجمعة في الصباح، يوسف بجانبها يمسك برفّ الشوكولاتة بيد وبتيل جاكيتها باليد الأخرى ويسألها بإلحاح طفولي جميل لا يعرف كيف يرفض: "ماما... بس حبة واحدة بس." وهي تنظر إلى قائمة المشتريات في يدها وتحاول أن تتجاهل أن رأسها يؤلمها من قلة النوم وأن القائمة مكتوب فيها أشياء لا تتذكر لماذا احتاجتها.

العربة صدمتها من الخلف. صدمة خفيفة لكن جعلتها تتقدم خطوة للأمام وتسقط قائمتها من يدها.

"آسف جداً! مكنتش شايف."

التفتت. رجل في منتصف الثلاثينيات، وجه فيه إرهاق لكن فيه أيضاً شيء صادق لا تعرف كيف تسميه. كان يحمل في عربته حليب أطفال وعلب طعام للرضع وعصائر وبسكويت.

"معلش." قالت ببرود وانحنت لتلتقط القائمة.

انحنى هو أيضاً وأمسك بها قبلها.

"يا حظ اليوم." ابتسامة. "قائمة وريّا."

"شكراً." مدّت يدها.

لكن يوسف، الذي يرى في كل رجل غريب فرصة لصداقة جديدة بدون استئذان، قال بصوت عالٍ: "انت عندك أطفال؟"

"يوسف."

"لأ، لأ، سؤال كويس." ابتسم الرجل للولد. "عندي بنت. عمرها سنة."

"بس واحدة؟ أنا كمان وحيد." قال يوسف بنبرة المتضامنين.

ضحك الرجل. ضحكة حقيقية، من الجوف. وبالرغم من كل شيء، شعرت ليلى بزاوية صغيرة جداً من فمها تريد أن ترتفع.

"أنا طارق."

"ليلى." قالت باختصار. "يالا يا يوسف."

لم يتكلما بعدها. مشت، خلّصت مشترياتها، خرجت. لكنها لاحظت حين كانت عند الكاشير أن طارق كان يقف خلفها في الطابور بفاصل شخص واحد. ولاحظت أنه لم يحاول يتكلم معها مرة أخرى. هذا أعجبها، دون أن تعترف لنفسها بذلك.

رأته المرة الثانية بعد أسبوع. في نفس الصيدلية التي تشتري منها دواء يوسف. كان يسأل الصيدلاني عن دواء لحمى الأطفال. سمعته قبل أن يراها. سمعه يقول: "دكتور، البنت عندها حرارة من الصبح ومرتبكة أنا شوية."

ذلك الارتباك في صوت رجل على طفلة صغيرة. شيء ما تحرّك في ليلى.

"خليها تاخد باراسيتامول وعصير برتقان وتفضل دافية."

التفت. رآها. شيء في وجهه قال إنه تذكرها لكنه لن يكون مزعجاً.

"الست اللي اشتغلتلها عيّل جواز في السوبر ماركت."

"وانت اللي بوظت عربيتك في ضهري."

"كنت شايل تقيل." ابتسم. ثم بجدية: "البنت بتعيط من الصبح. أنا مش متعود."

"مش متعود يعني إيه؟"

"يعني... أنا بتعامل معاها لوحدي بس من أربعة أشهر بس. لسه بتعلم."

لوحدي. جملة فيها معنى. لم تسأل. ليس لأنها غير مهتمة، بل لأن لديها ما يكفيها من تفاصيل لا تريد أن تضيف عليها.

"البنت الصغيرة الحرارة بتعدي عليها بسرعة. استنى معاها بس."

خرجت. لكن هذه المرة لم تستطع أن تتجاهل أنها أمضت الطريق إلى البيت تفكر في جملة "لوحدي من أربعة أشهر." ليست رومانسية في تفكيرها. ليست في وضع يسمح لها بأي شيء من هذا القبيل. لكن كان هناك شعور بالتعرف، الشعور الذي يأتي حين تسمع قصة شخص آخر وتجد فيها خيطاً يشبه خيطاً في قصتك.

رأته للمرة الثالثة حين جاء إلى المدرسة. ليلى لم تكن تعرف أن ابنته في نفس المدرسة. روضة الأطفال الملحقة بالمدرسة. يوسف وبنته في فصلين مختلفين لكن في نفس الطابق.

كانت في مكتب المدرسة تناقش الوكيل في أمر إداري حين دخل طارق يسأل عن استمارة. رآها. ابتسم وهو يقول: "أنا بدأ أشك إن في حد بيرتبلنا مواعيد."

"أو القاهرة صغيرة." قالت بحياد مصطنع.

"أو الاثنين مع بعض."

توقف. كأنه فاجأ نفسه بما قاله. "آسف. كان ده أكتر من اللي المفروض."

"آه." قالت.

لكنها حين خرجت لم تكن غاضبة. كانت تفكر في شيء لا تريد أن تفكر فيه. أن الإنسان المتعب يلاحظ التعب في الآخرين أسرع من غيره. وأن طارق رأى فيها شيئاً، وهي رأت فيه شيئاً، وكلاهما في وقت لا يناسب أي شيء من هذا.

لكن الحياة، كما تعلمت ليلى، لا تسأل عن المناسبة.

في تلك الليلة نفسها اتصلت رنا مرة أخرى.

"ليلى، لازم نتقابل. أنا في القاهرة. مش قادرة أحكيلك اللي عندي على التليفون."

"انتِ في القاهرة ليه؟"

"جيت عشانك. عشان اللي لازم تعرفيه."

ليلى فكرت. ثم قالت: "بكرة الصبح."

حدّدتا مكاناً وموعداً. وأغلقت ليلى الهاتف ونظرت في المرآة طويلاً. المرأة في المرآة كانت تبدو متعبة لكن فيها شيء جديد. شيء يشبه التحدي. كأنها قرّرت أنها لن تستمر في الخوف من الإجابات. كأنها قرّرت أن كل ما ستعرفه سيكون أفضل من العيش في الجهل.

🔥 "رنا جابت معاها ورقة واحدة. ورقة صغيرة فيها اسمين. واسم من الاتنين كان اسم قريب جداً لليلى."