جرح ما اندمل

الفصل 5

الفصل الخامس

527 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

: "الورقة اللي غيّرت كل حاجة"

رنا كانت تبدو في الطبيعة مختلفة عن الصوت الذي سمعته ليلى على الهاتف. أصغر سناً مما توقعت، ربما في منتصف العشرينيات، وفيها هشاشة لا تحاول إخفاءها لكنها في نفس الوقت لا تطلب شفقة. عيناها فيهما حزن ثابت، النوع الذي يعيش مع الإنسان بعد أن يتقبّله ويقرر أن يكمل الطريق رغمه.

جلستا في مقهى آخر هذه المرة، اختارته رنا، قريب من فندق صغير حجزت فيه غرفة. أمامهما قهوة لم تشربا منها.

"أنا آسفة." قالت رنا أولاً.

"على إيه؟"

"على إني أنا اللي موجودة في حياتك دلوقتِ بالأخبار دي."

"مش انتِ اللي عملتِ الأخبار دي."

"صح." نظرت إلى يديها. "كريم قالي إنه متجوز بس مطلّق. وإن إنتِ اللي طلبتِ الطلاق. وإن ماعندوش علاقة بيكِ غير يوسف."

ليلى سمعت. مزج كذبة بحقيقة. يوسف موجود، هذا صحيح. لكن كل الباقي اختراع.

"وانتِ صدّقتِه؟"

"في الأول آه. أنا... كنت أصغر. وكنت بحبه." توقفت. "بس لما اتجوزنا وجبت هبة، بنتي، بدأ يتغير. وبدأت أشك. وفضلت أسأل ناس لحد ما وصلتلي الحقيقة."

"وامتى عرفتِ؟"

"من أربعة أشهر."

ليلى لاحظت الرقم. أربعة أشهر. نفس الرقم الذي قاله طارق عن تعامله مع ابنته لوحده. الصدفة أحياناً تلعب ألعاباً غريبة.

"طب ليه ما بلّغتيش؟ ليه ما رفعتيش قضية؟"

"رفعت." قالت رنا بهدوء. "بس محامي كريم أقوى. وكريم يهدّد. مش بإيذاء جسدي." أضافت بسرعة كأنها تعرف السؤال. "بيهدد إنه هياخد هبة. وإنه هيثبت إني أنا اللي طلبت الانفصال وإني مش أم صالحة."

"ده ممكن يعمله؟"

"ماعرفش. بس الخوف نفسه كافي."

صمت.

ثم قالت رنا: "بس ده مش اللي جيتلك عشانه."

أخرجت من حقيبتها ظرفاً. فتحته. أخرجت ورقة. ورقة واحدة، مكتوبة بخط يد قديم، الحبر بني اللون من الزمن، مطوية من أربع نقاط كأنها حُفظت لسنوات في مكان ضيق.

وضعتها أمام ليلى.

"ده لقيته في أوراق كريم القديمة. في شنطة بتاعته اللي ما افتحهاش من لما اتجوزنا. محتاجة تقريه بعناية."

ليلى أمسكت الورقة. بدأت تقرأ.

كانت رسالة. رسالة قديمة مكتوبة لشخص اسمه "عبد العزيز." رسالة فيها اعتراف. اعتراف من إنسان يقول إنه أخطأ في حق عائلة بأكملها. إنه أخذ شيئاً لم يكن حقه. وإن الولد الذي سيكبر لا يجب أن يعرف، لكن إذا عرف يوماً فليعرف أن ما حدث لم يكن ظلماً متعمداً بل كان... توقفت ليلى عند الكلمة... كان "جهلاً مركّباً."

"مين عبد العزيز؟"

"أبو كريم."

"وإيه علاقة كريم بالرسالة دي؟"

"اسم الراسل."

نظرت إلى أسفل الرسالة. التوقيع.

وتجمّد دمها.

التوقيع كان: "أختك... نعيمة."

نعيمة. اسم أمها.

أمها كتبت هذه الرسالة. أمها كتبت لأبي كريم رسالة تقول إنها أخذت شيئاً أو فعلت شيئاً. ما الشيء؟ ما الذي فعلته أمها قبل ثلاثين سنة؟ وما علاقة ذلك بكريم وزواجه من رنا وكل هذه العقدة المتشابكة التي تزداد تشابكاً كلما مشت فيها؟

"انتِ فاهمة الرسالة دي؟" سألت بصوت لم تتعرف عليه، أجش وبعيد.

"فاهمة جزء. مش فاهمة الكل. وعشان كده جيتلك."

نظرت ليلى إلى الرسالة مرة أخرى. ثم قالت بصوت ثابت بالمجهود: "أنا محتاجة أكلم أمي."

"أنا عارفة."

"ومحتاجة أعرف مين عبد العزيز بالظبط وإيه اللي أخده أو اتأخد منه."

"فيه حاجة تانية." قالت رنا وفي صوتها تردد. "اسم الولد اللي في الرسالة... الولد اللي المفروض ما يعرفش... مذكور في ورقة تانية في نفس الشنطة."

"اسمه إيه؟"

رنا نظرت إليها مباشرة.

"اسمه طارق."

🔥 "طارق. نفس الاسم. نفس الوجه اللي بدأت تشوفه في كل مكان. وليلى حسّت إن الدنيا بتتضحك عليها بس ما بتقولهاش ليه."