جرح ما اندمل

الفصل 6

الفصل السادس

637 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

: "لما الخيوط تتجمع"

في الليل لا يكذب العقل.

جلست ليلى على سريرها وورقة أمها في يدها ورأسها يحاول بناء جسور بين جزر متفرقة: أمها ونعيمة، وعبد العزيز أبو كريم، وطارق الاسم في الورقة، وكريم الذي لم يختر لا هي ولا رنا بالصدفة، وسلمى التي لاحظت منذ زمن أن أمها تتجنب ذكر الإسكندرية.

إذن. إذا كانت أمها كتبت لأبي كريم تعتذر أو تعترف، وإذا كان هناك ولد اسمه طارق لا يجب أن يعرف، وإذا كان طارق هو نفسه الرجل الذي دخل حياتها من باب السوبر ماركت ومن باب الصيدلية ومن باب المدرسة، فهذا يعني واحداً من احتمالين لا ثالث لهما:

إما أن طارق ابن عبد العزيز أبي كريم. وهذا يعني أنه أخو كريم من أب. وأن كريم يعرف هذا. وأن زواجه منها كان مرتبطاً بشيء يخص طارق.

وإما أن طارق ابن أمها. وهذا يعني... لا. هذا مستحيل. هذا لن تفكر فيه.

الاحتمال الأول كافٍ ليقلب الدنيا.

في الصباح الباكر، قبل أن تصحو أحلامها أصلاً، اتصلت بأمها: "ماما، أنا جاية."

لم تعطِ أمها فرصة للرفض. ذهبت، تركت يوسف نائماً وبجانبه سلمى التي طلبتها في رسالة واحدة: "تعالي البيت. مهم."

دخلت على أمها وأمها كانت مستيقظة تماماً كأنها لم تنم. كانت في مطبخها تحضّر شاياً بيديها وظهرها للباب وكأنها تعرف من الذي يدخل.

"أنا شايلة حاجة تقيلة يا ماما من زمان." قالت ليلى وهي تجلس على كرسي المطبخ. "ومحتاجة اليوم تحطيها."

لم ترد أمها.

"عندي الرسالة."

صوت الإبريق توقف. يد أمها توقفت.

ثم دارت ببطء. ووجهها كان وجه امرأة وصلت إلى لحظة كانت تعلم أنها ستأتي وتخاف منها وتؤجلها وها هي هنا.

جلست مقابل ليلى. وبدأت تتكلم.

القصة بدأت قبل ثلاثة وثلاثين سنة. نعيمة كانت شابة في التاسعة عشرة، تعيش في الإسكندرية مع أهلها، جيرانهم كانوا عبد العزيز وزوجته. عبد العزيز كان رجلاً كريماً طيباً لكن زواجه كان بارداً. زوجته كانت تعيش في مرض وكان وحيداً بشكل حزين.

نعيمة وعبد العزيز تقاربا. بدأ الأمر بمحادثات في السلّم، ثم جلسات في الشرفة، ثم شعور تطوّر أسرع مما يجب. كلاهما كان يعرف أن الطريق خطأ. كلاهما مشى فيه.

حين اكتشفت زوجة عبد العزيز ما جرى، لم تكن المشكلة الخيانة وحدها. المشكلة كانت أن نعيمة كانت حاملاً.

لكن نعيمة لم تُنجب ذلك الطفل. أجهضت خوفاً وخجلاً وتحت ضغط عائلتها. وهذا الإجهاض كان الجرح الذي لم يندمل في روحها. والرسالة كانت اعترافاً كتبته بعد سنوات لعبد العزيز حين سمعت أنه مريض ويريد أن يطمئن على كل من في حياته.

عبد العزيز توفي. ولم يعرف طارق شيئاً. لأن طارق لم يكن ابن نعيمة. طارق كان ابن عبد العزيز من زواج ثانٍ لاحق بعد طلاقه من زوجته الأولى.

ليلى أخذت نفساً عميقاً: "إذن طارق أخو كريم من أبوه."

"آه."

"وكريم يعرف؟"

أمها أغمضت عينيها. "أنا ما أعرفش. بس أبوه قبل ما يموت ممكن يكون قاله."

"يعني كريم جوّزني وعارف إن في رابط بين أهله وبيننا."

"ممكن."

"ليه؟"

أمها فتحت عينيها وفيهما دموع. "ده اللي ما أعرفهوش يا ليلى. والله ما أعرفه."

ليلى قامت. لم تكن غاضبة من أمها. المشاعر كانت أكثر تعقيداً من الغضب. كانت فيها حزن وفهم واتساع لا تعرف ما تسميه. أمها أخطأت وعاشت بخطأها وعاقبت نفسها أكثر مما عاقبها أي أحد.

"ماما."

"آه."

"أنا مش زعلانة منك."

بكت أمها. للمرة الأولى في حياتها رأت ليلى أمها تبكي بكاءً حقيقياً. وجلست بجانبها وأمسكت بيدها. وللحظة، في مطبخ صغير في الدور الثاني، تقاطع الألم القديم مع الألم الجديد وصار شيئاً واحداً، أثقل لكن أصدق.

بعد ظهر ذلك اليوم، أرسلت ليلى رسالة لطارق. رقمه كانت أخذته من لوحة الاتصال في مدرسة يوسف.

"أنا ليلى. أم يوسف. محتاجة أكلمك في حاجة مهمة. مش شخصي. بس مهم جداً."

ردّ بعد دقائق: "تمام. امتى؟"

حدّدا موعداً. وليلى عرفت أن هذا اللقاء سيكون أصعب لقاءاتها لأنها ستخبر رجلاً لا يعرف تاريخ أبيه بجزء من ذلك التاريخ الذي يخصه. ستخبره بما قد يغيّر نظرته لكل شيء. وليس في يدها أن تعرف كيف سيتقبّل.

🔥 "طارق جه الميعاد. بس ما كانش لوحده. جاب معاه ورقة. ورقة من أبوه المتوفي. ورقة بيقول فيها إن في حاجة لازم يعملها قبل ما يكمل حياته."