: "اللحظة اللي ما فيش رجعة منها"
كان المقهى فارغاً تقريباً في ذلك الوقت من بعد الظهر. طارق جاء أولاً وهذا فاجأها، في تجربتها الشخصية من يجيء أولاً يكون هو الأكثر حاجة إلى اللقاء.
جلست أمامه. قالت: "أنا عارفة إن ده غريب."
"كل حاجة في حياتي من أربعة أشهر غريبة. واحدة كمان مش هتفرق." ابتسامة خفيفة. لكن عيناه جادتان.
"اللي عندي مش سهل."
"قوليه."
"أبوك... كان اسمه عبد العزيز؟"
شيء تغيّر في وجهه. "آه. توفي من ست سنين."
"أنا كنت عارفاه بشكل غير مباشر. أمي عرفته."
نظر إليها. انتظر.
وحكت ليلى. حكت بهدوء وبدون تزويق ولا حذف. حكت كل شيء، الرسالة والقصة والعلاقة القديمة بين أمها وأبيه وما جاء بعدها. وحكت عن كريم وعن اكتشافها وعن رنا وعن الورقة التي فيها اسمه.
طارق لم يقاطعها ولو مرة. جلس ويداه على الطاولة وهو ينظر إليها بعيون تسمع أكثر مما يسمع الأذن.
حين انتهت، صمت طويل.
ثم قال: "أبويا قبل ما يموت بشهرين طلبني." أخرج من جيبه ورقة مطوية، نفس الطيّ القديم الذي رأته ليلى في الرسالة الأخرى. "قالي في الورقة دي حاجة. وقالي ما أفتحهاش غير لما أحسّ إني محتاج أفهم جزء من حياتي مش واضح."
"وفتحتها؟"
"الأسبوع اللي فات."
"وإيه فيها؟"
وضع الورقة على الطاولة. لم يعطِها إياها. لكن قال: "بيقولي إن في ناس ممكن أقابلهم. وإن ما لازمش أخاف من التقارب. وإن بعض العلاقات بتجي من مكان بعيد." توقف. "وبيذكر اسم أمك."
ليلى نظرت إلى الورقة.
"يعني أبوك كان يعرف إننا ممكن نتقابل؟"
"مش عارف. بس يبدو إنه كان يتمنى."
"وكريم؟ كريم أخوك من أبوك؟"
"كريم أخويا الكبير من أبويا وأمه الأولى. أنا من الزوجة التانية. مش كنا قريبين. هو كان بيكره إني أتولد أصلاً."
ليلى فهمت فجأة. كريم تزوّجها ليس حباً. تزوّجها لأنه وجدها مرتبطة بتاريخ أبيه وأراد شيئاً ما. عقاباً؟ سيطرة؟ أم كان يريد أن يبعدها عن طارق قبل أن تتعرف عليه؟ الإجابة لم تكن أمامها بعد.
"طارق." قالت ببطء. "إيه اللي تعرفه عن أبوك وأمك؟"
وبدأ طارق يحكي. ولأول مرة في الفصول الطويلة الماضية، كانت ليلى هي التي تسمع وهو الذي يحكي. وفي الحكاية كانت أجزاء تكمل الأجزاء التي عندها. مثل قطع بازل لم يجتمعا من قبل.
الصورة اكتملت في آخر الحديث.
عبد العزيز كان لديه مشروع تجاري بشراكة مع أهل نعيمة قبل علاقتهما. حين انكشف الأمر وانتهت العلاقة، أهل نعيمة سحبوا حصتهم من المشروع بشكل مفاجئ وتركوا عبد العزيز في ورطة مالية كادت تهلكه. كريم كان يعرف هذه القصة. وكريم تزوّج ليلى، ابنة نعيمة، ليس حباً ولا عشقاً، بل في محاولة مريضة لاسترداد شيء ما في عقله، ثأر رمزي غير واضح المعالم لكنه حقيقي في نفسه.
أما رنا فقد كانت مصادفة حقيقية. رنا أحبّته فعلاً. وهو استغلّها.
طارق سمع كل هذا وعيناه لا تخفيان ما بداخله. لكنه لم ينهر. قال: "الناس بيعيشوا ويغلطوا وبيخلّوا الغلط يأثر في اللي بعدهم. ده مش عدل. بس ده اللي بيحصل."
"وإيه اللي المفروض نعمله؟" سألت ليلى.
نظر إليها. "مش المفروض نعمل حاجة. إحنا مش مسؤولين عن أخطاء أهلنا."
"بس إحنا موجودين في وسطها."
"آه. بس إحنا إحنا. مش هما."
جملة بسيطة. لكنها جلست في صدر ليلى بثقل أشياء كثيرة جداً. إحنا إحنا. مش هما.
خرجا من المقهى في الغروب. الشمس كانت حمراء فوق القاهرة. مشيا لحظة في نفس الاتجاه قبل أن تنفصل طريقاهما.
"طارق."
"آه."
"شكراً إنك سمعت."
"إنتِ اللي شيلتِ الحمل لوحدك وجيتِ بيه."
مشت. ولم تنظر خلفها. لكن قلبها كان يحمل شيئاً جديداً. ليس حباً بعد. أبكر من ذلك. بذرة شيء لا تعرف ما سيكون، في تربة مش مستعدة بعد. بس موجودة.
في تلك الليلة جاء كريم إلى الباب.
ليلى فتحت. نظرت إليه.
كريم قال: "أنا عارف إنك عرفتِ كل حاجة. ومش جاي أتبرر."
"ليه جيت إذن؟"
"جيت عشان يوسف."
"يوسف نايم."
"أنا عارف. بس حابب تعرفي... أنا مش هتنازل عن يوسف."
ليلى نظرت إليه بثبات. ثم قالت: "وأنا. أيضاً."
وأغلقت الباب.
🔥 "كريم وقف قدام الباب المغلق دقيقة. وبعدين بعتلها رسالة فيها جملة واحدة: 'أنا آسف على حاجة أكبر مما تتخيليها. وهتعرفيها قريب.'"