: "جرح ما اندمل... واندمل"
الجملة التي بعثها كريم ظلت أمام ليلى ثلاثة أيام. لم ترد عليها. انتظرت. وفي انتظارها أدركت أن حياتها في الأشهر الأخيرة تحوّلت من مسرح فيه شخص واحد يلعب كل الأدوار إلى مسرح فيه ناس حقيقيون، كل منهم يحمل جزءاً من الحقيقة، وكلهم مجروحون بدرجات مختلفة.
في اليوم الرابع جاء المحامي. محامي كريم. بمغلف رسمي. ورقة طلاق.
لكن مع الورقة كان هناك خطاب. خطاب بخط كريم نفسه، غير رسمي.
فتحته:
"ليلى. أنا اتربيت على فكرة إن في دين لازم أستردّه. أبويا مات وهو حاقد على ناس. وحقنلي الحقد ده. وأنا أخدت القرار الغلط إني أتجوزك من موضع ده. لكن اللي ما توقعتوش إني وأنا معاكِ نسيت ليه اتجوزتك من الأول. يوسف كان حقيقياً. وانتِ في لحظات كتيرة كنتِ حقيقية. أنا وحش؟ آه. بس مش كل ما فيّا وحش. وده مش بيبرر أي حاجة. الطلاق هيكمل. يوسف ابني وهزاكز دلوقتِ قدام المحكمة. أنا مش عايزه يتضرر. وانتِ قرري."
ليلى قرأت الخطاب مرتين. ثم طوّته ووضعته في درج المكتب.
لا. الخطاب لم يمحُ شيئاً. لم يرجع شيئاً. لكنه أعطاها شيئاً كانت تحتاجه دون أن تعرف: أعطاها رؤية الصورة كاملة بلا ضباب. كريم إنسان فعل أشياء مؤلمة من مكان مريض. لكنه إنسان. والتعامل مع الإنسان أسهل من التعامل مع الشيطان.
اتصلت بمحاميتها. أكملت إجراءات الطلاق. اشترطت حضانة يوسف مع حق رؤية منتظم لأبيه. كريم قبل. وكان هذا القبول هو أول شيء حقيقي فعله منذ زمن.
أما رنا فقد رفعت قضيتها من جديد. هذه المرة مع توثيق أفضل ومحامٍ آخر. وليلى أرسلت إليها محاميتها لتساعدها. ليس لأن هناك صداقة بينهما، لكن لأن رنا وابنتها هبة يستحقان أن يُحمَيا. وليلى اختارت أن تكون من الناس الذين يفعلون ذلك لأن بإمكانهم وليس لأنهم مضطرون.
أمها وليلى تكلمتا مطوّلاً بعد ذلك. جلستا في مطبخ الشقة القديمة جلسات طويلة على امتداد أسابيع. أمها حكت أكثر وأكثر. عن الإسكندرية، عن الشباب، عن القرار الذي حمله ندمه طوال العمر. وليلى سمعت. وسلمى سمعت. وفي أحد الأيام قالت سلمى: "يعني إحنا كبرنا وجنبنا أم حاملة حاجة تقيلة ومحدش عرف يساعدها."
"كنا عيال." قالت ليلى.
"وهي ما طلبتش."
"مش كل الناس بتعرف تطلب."
وفي تلك الجملة كان درس كاملٌ.
طارق. القصة معه لم تنتهِ. لكنها لم تبدأ أيضاً. كانت في المنطقة التي لا اسم لها بين الانتهاء والبداية.
تحدّثا بعدها أكثر من مرة. أحياناً بحجة الأطفال في المدرسة. أحياناً بدون حجة. وفي كل مرة كانت ليلى تشعر بذلك الشيء الذي وصفته لنفسها بالبذرة يكبر قليلاً. لكنها لم تسمح لنفسها بأن تسرع. كانت تعرف أنها تحتاج وقتاً. وطارق لم يضغط. هذا كان أهم شيء. لم يضغط. كان موجوداً بالشكل الذي يقول "أنا هنا" دون أن يقول "ومحتاج منك إجابة."
في يوم بارد في ديسمبر، حين كانا يستنيان الأطفال عند بوابة المدرسة، قال لها: "إنتِ بتفكري كتير."
"آه."
"ده مش عيب."
"أعرف."
"بس أحياناً التفكير الكتير بيخلينا ما نعيشش اللحظة."
نظرت إليه. "وإنتِ بتقولهالي دي ليه بالظبط؟"
ابتسم. "لأني بلاحظ إن لما بيجي يوسف وبتشوفيه وجهك بيتغير خالص. بتبطلي تفكري وبتبدئي تحسّي. ده وجهك الحقيقي."
يوسف خرج في تلك اللحظة يجري نحوها وطلب منها أن تشيله. شالته. وابتسمت. وطارق رآها تبتسم.
ولم يقل أكثر من ذلك. لأنه لم يكن في حاجة.
في آخر أيام ذلك العام، جلست ليلى في شقتها وحدها بعد أن نام يوسف. أمامها كوب شاي ودفتر قديم. كتبت:
"الجروح اللي ما اندملتش في حياة أهلنا بتتوارثها. مش لأننا ضعفاء. لكن لأننا ما عرفناش نشوفها في وقتها. أنا شفت جرح أمي. وشفت جرح كريم. وشفت جرح رنا. وشفت جرحي أنا. وقررت إني مش هخلّيه يتوارث ليوسف. مش هعيش في حاجة زيف عشان الناس تبقى مرتاحة. ومش هخاف من الوجع لأن الوجع اللي بتواجهه أهون بكتير من الوجع اللي بتهرب منه."
توقفت. ثم كتبت آخر جملة:
"الجرح اللي اندمل بيسيب ندبة. والندبة دليل إن الجسم اتعالج. مش دليل ضعف. دليل إنك كنت هناك."
في الصباح اتصلت بسلمى: "صباح الخير."
"صباح النور! في إيه؟"
"في مفيش. بس حاسة إني تمام."
ضحكت سلمى. "الحمد لله. أخيراً."
"أخيراً آه."
وليلى حمدي، ثلاثة وثلاثون سنة، مدرسة لغة عربية، أم ليوسف، ابنة نعيمة، أخت سلمى، امرأة مرّت بما مرّت به ووقفت ووقعت ووقفت مرة أخرى، أغلقت الهاتف ومشت إلى غرفة يوسف وفتحت الستارة وتركت الضوء يدخل.
والضوء دخل.
🎭 نهاية الرواية
"الحياة مش بتوعدك بأيام كلها مظبوطة. بس بتوعدك إنك لو وقفت، هتلاقي نفسك واقف."
— جرح ما اندمل