بين نارين

الفصل 5

الليل الطويل

585 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

كانت الساعة اثنين الفجر لما التليفون بتاع ليلى رن.

حالة طارئة. مريض دخل الإسعاف بحادثة وبيتطلب تدخل

جراحي فوري. ليلى صحيت من نومها، لبست بسرعة، وأدت

في المستشفى في أقل من عشرين دقيقة.

غرفة العمليات. ده هو المكان اللي فيه ليلى بتكون هي

نفسها الأكتر. من غير تفكير في الماضي أو المستقبل أو

آدم أو أي حاجة. بس المريض والعملية والحياة اللي في

إيدها.

العملية خدت أربع ساعات.

الصبح الساعة ستة، ليلى طلعت من غرفة العمليات وهي

تعبانة بس عيونها بتلمع. المريض كان بخير. ده كان بيكفي.

مشت في الممر الطويل وهي بتشيل كبس الأكلام. وصلت

للنافذة الكبيرة. نفس النافذة. الحديقة كانت بتصحى والضوء

كان ببتي وبيغير لونه من رمادي لذهبي.

— ناجحة؟

استدارت. آدم كان واقف في نهاية الممر. لابس هدوم شغل

ومعاه لابتوب. جاي بدري زيه زي دايماً.

— آه. بخير.

جه ناحيتها ووقف في نفس المكان القريب اللي وقفوا فيه

كتير.

— شايفة تعبانة.

— أربع ساعات عملية.

— محتاجة حاجة تتاكليها؟

كانت سؤال عادي. بس اتسأل بطريقة فيها اهتمام حقيقي.

— في الكافتيريا دلوقتي فيه حاجة؟

— بعمل قهوة. معايا بسكويت. ده اللي موجود.

ليلى ابتسمت من غير قصد.

— القهوة بالبسكويت هتجيب عليها.

آدم مشي ناحية الكافتيريا الصغيرة وليلى مشيت معاه.

الكافتيريا كانت فاضية في الوقت ده. بس الإضاءة كانت

دافية. آدم عمل قهوتين وجاب البسكويت.

قعدوا على ترابيزة زاوية. للمرة الأولى من لما رجع، قعدوا

قريبين من بعض من غير ما يكون في إيديهم ورق أو ملف

أو خريطة.

— بتحبيها؟ سألها.

— إيه؟

— الجراحة. بتحبيها ولا اخترتيها؟

— فيه فرق؟

— كبير.

ليلى فكرت.

— في الأول كانت اختيار. دلوقتي بحبها. بقيت جزء مني.

— بتحسي بإيه وإنت في العملية؟

— إن الوقت بيوقف. كل حاجة تانية بتختفي. بيكون في

بس أنا والإسكالبيل والقلب اللي محتاج ينبض.

آدم بصها بطريقة كده.

— إنت شايف إيه؟ سألته.

— شايف حد بيعمل الحاجة اللي خلق عشانها.

الجملة دي وقفت في الهواء. ليلى رشفت قهوتها.

— وإنت؟ بتحب التصميم؟

— عمري ما حبيت حاجة تانية.

— ليه رحت دبي بالظبط؟ قالتها من غير ما تفكر.

بعدين حست إنها تجاوزت الخط. بسرعة قالت:

— آسفة. مش لازم تجاوب.

— لا. السؤال حقك.

آدم حط فنجانه.

— رحت عشان محتاج أبعد. عن القاهرة. عن كل حاجة بتذكرني.

— وبعدت؟

— عن القاهرة: آه. عن التذكر: لا.

الكلام خرج بسهولة أكتر من اللي المفروض. آدم حسها.

— ليلى... في حاجة عايز أسألك عنها.

تيقظت.

— إيه؟

— في الليلة دي. الليلة الأخيرة. إيه اللي حصل فعلاً؟

أنا عايز أسمع منك. مش من أي حد تاني.

الهواء في الأوضة اتغير.

ليلى حطت فنجانها ببطء. نظرت في إيديها. بعدين رفعت

عيونها.

— أمي كانت خايفة عليا. بتكلم ست أمك عن القلق من إن

إنت مش عندك استقرار وقتها. اتكلمت بطريقة جلط، أمك

فهمت إنها بترفضك. إنت سمعت من أمك.

— وإنت ما قدرتيش تشرحي في اللحظة دي.

— ما لقيتش الكلام. وإنت... كنت تعبان. ووجهك قالي إنك

خلصت.

آدم ما تكلمش.

— الكلمة اللي قلتها في وشي. "كان يكفي إنك تقولي مش

عايزاني من البداية." الكلمة دي... الكلمة دي شيلت عني

الكلام كله.

— لأني غلطت.

— إنت غلطت وأنا غلطت. ما صحيناش بعض.

صمت طويل.

— ليلى... أنا آسف. بجد.

— أنا كمان.

الاتنين قعدوا في الصمت. بس الصمت ده كان مختلف. ما

كانش ثقيل. كان نوعه التاني. النوع اللي بيجي بعد ما

الحقيقة بتتقال.

الشمس كانت بتطلع من النافذة.

— هتنامي؟

— ممكن شوية قبل اجتماع التاسعة.

— روحي. أنا هكمل في التصميمات.

قامت. وقبل ما تمشي، وقفت.

— آدم.

— آه.

— شكراً على القهوة.

وابتسمت. ومشت.

وآدم نظر في فنجانه الفاضي. وأول مرة من سنين حس إن

حاجة جوه بدأت تنفك.